"أنا والآب واحد"

اذهب الى الأسفل

"أنا والآب واحد"

مُساهمة  Admin في السبت يونيو 29, 2013 3:45 am

"أنا والآب واحد" أهم ما يتعلق فيه أولئك الذين يقولون بألوهية المسيح، وقد فهموا منه وحدة حقيقية جهر بها المسيح أمام اليهود، وفهموا منه أنه يعني الألوهية لذاته.
ولفهم النص نعود فنقرأ السياق من أوله، فنرى بأن المسيح - عليه السلام - كان يتمشى في رواق سليمان في عيد التجديد، فأحاط به اليهود وقالوا: "إلى متى تعلق أنفسنا؟ إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهراً.
أجابهم يسوع: إني قلت لكم ولستم تؤمنون. الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي، ولكنكم لستم تؤمنون، لأنكم لستم من خرافي كما قلت لكم: خرافي تسمع صوتي، وأنا أعرفها فتتبعني، وأنا أعطيها حياة أبدية، ولن تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي، أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي، أنا والآب واحد" (يوحنا10/ 24 - 30).
فالنص من أوله يتحدث عن قضية معنوية مجازية (1)، فخراف المسيح أي تلاميذه يتبعونه، فيعطيهم الحياة الأبدية، أي الجنة، ولن يستطيع أحد أن يخطفها منه (أي يبعدها عن طريقه وهدايته) لأنها هبة الله التي أعطاه إياها، ولا يستطيع أحد أن يسلبهامن الله الذي هو أعظم من الكل، فالله والمسيح يريدان لها الخير، فالوحدة وحدة الهدف لا الجوهر.

لكن اليهود في رواق سليمان كان فهمهم لكلام المسيح سقيماً - أشبه ما يكون بفهم النصارى له -، لذا "تناول اليهود أيضاً حجارة ليرجموه ... لسنا نرجمك لأجل عمل حسن، بل لأجل تجديف، فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلهاً".
فعرف المسيح - عليه السلام - خطأ فهمهم لكلامه، واستغرب منهم كيف فهموا هذا الفهم وهم يهود يعرفون لغة الكتب المقدسة في التعبير المجازي فأجابهم: " أليس مكتوباً في ناموسكم: أنا قلت إنكم آلهة؟ " ومقصده ما جاء في مزامير داود: "أنا قلت إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم" (المزمور 82/ 6)، أي فكيف تستغربون بعد ذلك مثل هذه الاستعارات، وهي معهودة في كتابكم الذي جعل بني إسرائيل آلهة بالمعنى المجازي للكلمة؟! فالمسيح أولى بهذه الألوهية المجازية من سائر بني إسرائيل "إن قال: آلهةً لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله .. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله؟ إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي .. " (يوحنا10/ 37).
وهذا الأسلوب في التعبير عن وحدة الهدف والمشيئة معهود في النصوص خاصة في إنجيل يوحنا، إذ يقول عن التلاميذ على لسان المسيح: "ليكون الجميع واحداً كما أنت أيها الآب فيّ، وأنا فيك، ليكونوا (أي التلاميذ) هم أيضاً واحداً فينا .. ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد ... أنا فيهم وأنت فيّ" (يوحنا 17/ 20 - 23)، فالحلول في المسيح والتلاميذ حلول معنوي فحسب، وإلا لزم تأليه التلاميذ، فالنص الإنجيلي يستخدم كلمة (كما) والتي تفيد المماثلة بين الطرفين المتقابلين، والمعنى: كما المسيح والآب واحد، فإن التلاميذ والمسيح والآب أيضاً واحد، أي وحدة الهدف والطريق، لا وحدة الذوات، فإن أحداً لا يقول باتحاد التلاميذ ببعضهم أو باتحاد المسيح فيهم بذاته.
وفي موضع آخر ذكر يوحنا نفس المعنى فقال عن التلاميذ: " أيها الأب القدوس، احفظهم في اسمك الذي أعطيتني، ليكونوا واحداً كما نحن" (يوحنا 17/ 11)، أي كما أن وحدتنا هي وحدة هدف لتكن وِحدتهم بنا كذلك.
ومثله قوله: "تعلمون أني أنا في أبي، وأنتم فيّ، وأنا فيكم" (يوحنا 14/ 20)، فهل هذه النصوص تتحدث عن وحدة ذوات بين الله والمسيح والتلاميذ أم تتحدث عن وحدة مجازية، يشترك فيها كل المؤمنين، كمحبة المسيح أو الدعوة إلى مكارم الأخلاق، فالله والمسيح والأنبياء متحدون في محبة المسيح، وكذلك في الدعوة إلى مكارم الأخلاق؛ من غير أن يقتضي هذا حلول الذوات واتحادها.
ومثل هذه المعاني نستطيع قراءتها في قول بولس: "فإنكم أنتم هيكل الله الحي، كما قال الله: إني سأسكن فيهم، وأسير بينهم، وأكون لهم إلهاً، وهم يكونون لي شعباً" (كورنثوس (2) 6/ 16 - 17).
ومثله في قوله: "إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل، وفي كلكم" (أفسس 4/ 6).
وكذلك مثله قول المسيح - عليه السلام - لتلاميذه: " أنا الكرمة، وأنتم الأغصان، الذي يثبت في، وأنا فيه، هذا يأتي بثمر كثير" (يوحنا 15/ 5)، أي من يحبني ويطيعني ويؤمن بي فهذا يأتي بثمر كثير.
وهكذا يتبين أن المعنى الصحيح لقوله: "لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ، وأنا فيه" (يوحنا 10/ 38) أي أن الله يكون في المسيح، أي بمحبته وقداسته وإرشاده وتسديده، لا بذاته المقدسة التي لا تحل في الهياكل "العلي لا يسكن في هياكل مصنوعات الأيادي" (أعمال 7/ 48).
وقد تكرر هذا الأسلوب في التعبير عن وحدة الهدف والمشيئة في نصوص كثيرة، منها قول بولس: " أنا غرست، وأبلُّوس سقى ... الغارس والساقي هما واحد .. فإننا نحن عاملان مع الله" (كورنثوس (1) 3/ 6 - 9)، فوحدة بولس مع أبلوس وحدة الهدف المشترك، لا الجوهر والذات.
ومثله جاء في التوراة في وصف الزوجين "يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكونان جسداً واحداً" (التكوين 2/ 24) أي كالجسد الواحد، لا أن ذاتهما قد أضحت واحدة، وعليه لا يصح الفهم الظاهري السطحي لقوله: "يكون الاثنان جسداً واحداً، إذاً ليسا بعدُ اثنين، بل جسد واحد" (متى 19/ 5)، ومثله أيضاً لا يصح الفهم الظاهري لقول لابان ليعقوب ابن أخته: "إنما أنت عظمي ولحمي" (التكوين 29/ 14)، بل المراد بيان المحبة والوحدة المجازية فحسب.
ومن النصوص التي تفيد وحدة الهدف والغاية بين التلاميذ؛ مع استعارتها للفظ يدل ظاهره على وحدة الجسد، وليس هذا الظاهر مقصوداً ولا صحيحاً، وذلك في قوله: " هكذا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضاً لبعض" (رومية 12/ 5)، ونحوه في قوله: "ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح" (كورنثوس (1) 6/ 15)، (وانظر صموئيل (2) 19/ 12، كورنثوس (1) 12/ 27)، (أفسس 2/ 14). وغير ذلك من أمثلة وحدة المشيئة والهدف والمحبة، لا الذات، التي تماثل قول المسيح: "أنا والآب واحد".
ومثل هذا الاستخدام للوحدة المجازية، وحدة الهدف والمشيئة ورد في القرآن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير أن يفهم منه أحد من المسلمين الوحدة الحقيقية، وحدة الذات، وذلك في قوله تعالى، وهو يخاطب نبيه: {إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون الله} (الفتح: 10)، فلم يقل أحد من المسلمين أن الله ونبيه ذات واحدة كما صنع النصارى في قول المسيح: "أنا والآب واحد".

Admin
Admin

عدد المساهمات : 232
تاريخ التسجيل : 25/06/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abc-islam.swedishforum.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى